محمد سعيد رمضان البوطي

197

فقه السيرة ( البوطي )

وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ ( 144 ) [ آل عمران : 144 ] . ولقد اتضح الأثر الإيجابي لهذا الدرس ، يوم أن لحق رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم فعلا بالرفيق الأعلى ، فقد كانت شائعة أحد هذه ، مع ما نزل بسببها من القرآن ، هي التي أيقظت المسلمين ونبهتهم إلى الحقيقة ، فودعوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بقلوبهم الحزينة ، ثم رجعوا إلى الأمانة التي تركها بين أيديهم ، أمانة الدعوة والجهاد في سبيل اللّه ، فنهضوا بها أقوياء بإيمانهم أشداء في عقيدتهم وتوكلهم على اللّه تعالى . تاسعا : ولنتأمل في وقع الموت على أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهم من حوله يحمونه بأجسادهم من نبال المشركين وضرباتهم ، يتساقطون الواحد منهم إثر الآخر تحت وابل السهام ، وهم في نشوة عارمة وحرص حريص على حفظ حياة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . لا يبالون بغير ذلك ! . . فما هو مصدر هذه التضحية العجيبة ؟ . . إنه الإيمان باللّه ورسوله أولا ، ثم محبة رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ثانيا ، فهما معا سبب هذه التضحية الرائعة العجيبة ، والمسلم يحتاج إليهما معا ، لا يكفي أن يدّعي الإيمان بما ينبغي الإيمان به من أمور العقيدة ، حتى يمتلئ قلبه بمحبة اللّه ورسوله أيضا . ولذلك قال عليه الصلاة والسلام : « لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ماله وولده والناس أجمعين » « 1 » . وبيان ذلك أن اللّه عز وجل قد غرس في الإنسان عقلا وقلبا ، أما الأول فلكي يفكر به فيؤمن بما يجب الإيمان به ، وأما الثاني فلكي يستعمله في محبة من أمر اللّه بمحبته وبغض من أمر ببغضه ، وإذا لم يشغل القلب بمحبة اللّه ورسوله والصالحين من عباده ، فسيمتلىء ولا بد بمحبة الشهوات والأهواء والمحرمات ، وإذا فاض القلب بمحبة الشهوات والأهواء فهيهات أن يصبح الاعتقاد وحده حاملا لصاحبه على أي عمل من أعمال التضحية أو الفداء . وهذه الحقيقة من الأوليّات التي أقرها علماء التربية والأخلاق ، ودلت عليها التجارب البدهية ، واسمع ما يقوله في ذلك جان جاك روسو في كتابه « إميل » : « كم قيل وأعيد القول عن الرغبة في إقامة الفضيلة على العقل وحده ، ويا له من أساس متين ! . . أي أساس هذا ! . . إن الفضيلة كما يقولون هي النظام ، ولكن هل يستطيع الإيمان بالنظام أن يتغلب على مسرتي الخاصة ؟ . . إن هذا المبدأ المزعوم ليس إلا لعبا

--> ( 1 ) متفق عليه .